ابن أبي مخرمة
364
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
يغفر اللّه لك ، لقد بعد ظنك ، خذ في أمرك ، فقد خطر ببالك ما لا يكون أبدا ولو عدت في كل يوم مائة مرة . قالوا : وسأل المأمون اليزيدي عن شيء فقال : لا ، وجعلني اللّه فداك يا أمير المؤمنين ، فقال : للّه درك ! ما وضعت قطّ واو موضعا أحسن من موضعها في لفظك . قال اليزيدي : دخلت على المأمون يوما والدنيا غضة ، وعنده نعم تغنّيه ، وكانت من أجمل أهل دهرها : [ من الكامل ] وزعمت أني ظالم فهجرتني * ورميت في قلبي بسهم نافذ فنعم هجرتك فاغفري وتجاوزي * هذا مقام المستجير العائذ ولقد أخذتم من فؤادي أنسه * لا شلّ ربي كفّ ذاك الآخذ واستعادها المأمون الصوت ثلاث مرات ، ثم قال : يا يزيدي ؛ أيكون شيء أحسن مما نحن فيه ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال : وما هو ؟ قلت : الشكر لمن خولك هذا الإنعام العظيم ، فقال : أحسنت وصدقت ، ووصلني ، وأمر بمائة ألف يتصدق بها . وحكي أنه وقع بين اليزيدي والكسائي تنازع في هذا البيت : [ من مجزوء الرمل ] لا يكون العير مهرا * لا يكون المهر مهر فقال الكسائي : مهر الثاني منصوب على أنه خبر كان ، ففي البيت على التقدير أقوال ، وقد علم كون حرف الروي فيما قبله مرفوعا . وقال اليزيدي : الصواب رفعه ؛ لأن الكلام قد تم عند قوله : ( لا يكون ) الثانية ، وهي مؤكدة للأولى ، ثم استأنف فقال : المهر مهر ، وضرب بقلنسوته الأرض وقال : أنا أبو محمد ، فقيل له : أتكتني بحضرة أمير المؤمنين ؟ ! واللّه إن خطأ الكسائي مع حسن أدبه لأحسن من صوابك مع سوء أدبك ، فقال : حلاوة الظفر أذهبت عني حسن التحفظ . قال بعضهم : دخل اليزيدي على الخليل بن أحمد وهو جالس على وسادة ، فأوسع له وأجلسه ، فقال اليزيدي : أحسبني ضيقت عليك ، فقال الخليل : ما ضاق موضع على متحابين ، والدنيا لا تسع متباغضين . توفي اليزيدي سنة اثنتين ومائتين .